2 - سبتمبر - 2019- القدس العربي https://bit.ly/34xsdaq
بعد أن تجاوزنا بعض الشيء من فوضى دول الربيع العربي، أصبحت إعادة ترسيم الحدود الدولية من الماضي.
ولكن يصعب علينا التنبؤ بالاتجاهات الفكرية التي ستغزو المجتمعات ما بعد حالة الاستقرار، وهنا أسأل نفسي هل تستطيع القوى التقدمية العصرية وضع قدم لها على الساحة العربية وتقوم بتنفيذ وعودها في إصلاح بنى الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟
وسؤالي هنا يأتي بعد إزاحة القوى الدخيلة على دول الربيع العربي «قوى التطرف والانفصال» على سبيل المثال.
وهل سيعاد إنتاج الأنظمة السلطوية بلبوس جديد؟ الأوتوقراطية العلمانية على سبيل المثال، أي تبقى السلطة في يد رجل واحد، يتفرد في حكمه وفي قيادته للدولة وفق أجنداته كما فعل الراحل حافظ الأسد في بداية حكمه، قبل أن يتحول لديكتاتور إله.
سيناريوهات الربيع العربي
بدأ الربيع العربي كالصيف حارقاً معه من أشعل الشرارة الأولى للربيع العربي الشاب التونسي. «طارق الطيب محمد البوعزيزي»، بعد أن أضرم النار بجسده بعد مصادرة بلدية ولاية سيدي بوزيد لعربته التي يبيع عليها الخضار وصفعه من قبل الشرطية «فادية حمدي» وعدم نظر السلطات في شكواه المقدمة ضدها.
رضخ بن علي لمطالب الشعب التونسي بالتنحي عام 2011. ولينتقل بعدها للعيش في مدينة جدة السعودية.
ومن هنا انتقلت عدوى الربيع العربي إلى مصر حيث أعطى الجيش المصري درسا في الوطنية في بداية الأمر بعدم تدخله لصالح السلطة، إلى أن تحول لمدافع عن حسني مبارك ونظامه، وبعد عدة مناشدات غربية له بالحفاظ على مصر وإبقاء البلد في حالة استقرار، انصاع مبارك لمطالب المتظاهرين ليقوم بتسليم الحكم للمجلس الأعلى للقوات المسلحة في 11 شباط/فبراير 2011.
وليتنقل بعدها الرئيس المتنحي للإقامة في مدينة شرم الشيخ المصرية على ساحل البحر الأحمر.
لتأتي بعدها ثورة 17 فبراير/ شباط 2011 في ليبيا والتي أدت لمراحل عنف مبكرة نتيجة استهزاء الرئيس الراحل القذافي بمطالب الثوار، المحتجين على قيادته للبلد، والتي انتهت بتدخل عسكري لحلف الشمال الأطلسي (الناتو) أدى لمقتل القذافي في ظروف غامضة في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2011.
وهذا ما أدخل ليبيا في صراع مسلح عشائري في مراحله الأولى بين قبيلة القذافي والقبائل المعارضة لحكمه. لينتقل النزاع بعد مقتل القذافي، بين أطراف الحكم: قائد الجيش خليفة حفتر ورئيس حكومة الوفاق الوطنية فايز السراج ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح التي تدعم الدور الروسي في بلادها.
لتبقى الذهنية العشائرية هي المسيطرة بعد سنوات من الصراع المسلح وأحد أسباب استمراره.
وفي السياق ذاته رأى اليمنيون أن الفرصة متاحة للخلاص من حكم الراحل «علي عبد الله الصالح» الذي حكم اليمن 33 عاما.
بعد أن تنحى عن السلطة بمبادرة خليجية تضمن عدم ملاحقته قانونياً في فبراير/شباط 2012، وذلك بعد 11شهرا من التظاهرات ضد نظام حكمه.
وعلى ما سبق يبدو الراحل علي عبد الله الصالح لم يرق له ابتعاده عن السلطة، فقام بالتحالف مع الحوثيين في 2014 لإخراج الرئيس اليمني عبد ربه منصور من السلطة. عبر لعب دور في تأمين كتلة من التحالفات العشائرية والعسكرية ولكن الخلافات المالية وسباق النفوذ حال دون استمرار هذا التحالف قبل مقتله بأيام قليلة، لتعلن ميليشيا الحوثي مقتله في 4 ديسمبر/كانون الأول 2017 في العاصمة صنعاء.
وفي منتصف آذار/مارس 2011 اندلعت شرارة الثورة السورية خاتمة ثورات الربيع العربي في حوران، تحديدا في مدينة درعا جنوب سوريا، بعد أن اعتقلت قوات الأمن السوري، الأطفال الذين كتبوا على جدران مدرسة الأربعين في درعا البلد. وأهانت أهاليهم من قبل ابن خالة الرئيس عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في المدينة.
لتجتاح المظاهرات المناوئة للنظام عموم محافظة درعا مطالبةً بدايةً بإزاحة المحافظ فيصل كلثوم والعقيد عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي.
ولكن سرعان ما تعامل معها الأمن برعونة أدت لاستشهاد الشابين «محمود الجوابرة وحسام عياش» لتكون شرارة الحراك السوري في وجه الظلم والطغيان. وحيث أن رأس النظام كان قد صرح قبل اندلاع الثورة السورية أن الوضع في سوريا مختلف، في إشارة منه على أن عملية التغيير تتطلب أجيالاً وسنوات عمل جادة.
وفي مجمل ثورات الربيع العربي كان لقوى دخيلة دور في تحريف مطالب المحتجين ورواد التغيير على سبيل المثال (استطاعت عدة قوى سياسية مصرية الركوب على خيل ثورتها، دون مراعاةٍ لمطالب الشباب الثائر في تحسين مستوى معيشتهم وزيادة دخلهم عبر إيجاد فرص عمل تتناسب وإمكانياتهم).
أما في ليبيا فكان للقبائل دور في دخولها على خط الثورة وامتلاكهم الأسلحة لتتقيهم غدرات الزمن ولكن سرعان ما ذهب البعض من الشباب الليبي نحو التشدد كحالة تعبر عن انفصالهم القبلي وانتمائهم الديني.
وكذلك الحال في اليمن عبر تجييش الحوثيين لمريديهم في عسكرة الحراك السلمي وتحويل اليمن لساحة حرب، أحداثها ترتبط طائفياً بما يجري في سوريا لسنوات عدة من الصراع المسلح.
وبعد سيطرة الحوثيين على العاصمة اليمينة صنعاء في منتصف 2014. أخذت دول الخليج والسعودية على وجه الخصوص زمام المبادرة بتشكيل حلف عربي لاستعادة الشرعية حسب قولهم، والقضاء على قوات المتمردين «الحوثيين» المدعومين إيرانياً كي لا يكونوا يوماً ما خنجراً في خاصرة المملكة العربية السعودية.
أما في سوريا فكان لتسليح ثورتها انعكاساً سلبياً على مطالب الثوار السلميين الذين طالبوا بالتغيير الإيجابي والتحول الديمقراطي بعد سنوات من انتظار خطط التنمية التي وعد بها الرئيس، وريث الحكم في الجمهورية العربية السورية.
إفرازات لا تتماهى مع المطالب
فكان لتسليح الثورة إفرازات لا تتماهى مع مطالب الحراك كدخول مقاتلين أجانب ينتمون لتنظيم القاعدة/ جبهة النصرة. وكذلك دخول مقاتلين يتبعون لميليشيا PKK/PYD قوات الحماية الذاتية الكردية ليمثلوا حالة قومية مطالبة بالانفصال أو فيدرالية قومية على أقل تقدير.
ولكن سرعان ما تسارعت الأحداث في بداية آذار/مارس 2013 ليبصر الضوء تشكيل جديد تحت مسمى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام ويقوم بقضم مناطق سيطرة الثوار والسيطرة عليها ليعلن فيما بعد عن تسمية جديدة باسم تنظيم الدولة الإسلامية.
وبعد ممارسته الإجرامية بحق كل من يعارض دولتهم المزعومة، تشكل تحالف دولي للقضاء على هذا التنظيم في النصف الأول من عام 2014.
وبالفعل تم القضاء على التنظيم مكانيا ولم يتم القضاء على من حملوا فكره بسبب رد الفعل العالمي تجاهه وعدم إيجاد برامج توعية ضد التطرف والبحث في مسبباته.
إن عملية التغيير في المجتمعات ليست بالأمر الهين ولا تتم في يوم وليلة، وإدخال أي مفهوم أو ثقافة جديدة داخل أي مجتمع ليس بالأمر السهل كذلك. إن هذه الثورات هي حركة ديناميكية في مجتمعاتنا، أوجدت أثراً كبيراً من الناحية السياسية والاجتماعية، فكان من نتاج هذه الثورات تبلور مفهوم جديد وثقافة جديدة في مجتمعاتنا، ألا وهو مفهوم إعادة الثقة بنفوس الشعوب ومقدرتهم على التغيير. ثم إن عامل الثقة مهم في الثورات ويعتبر حاجة لأي شعب يطالب وينادي بتغيير الواقع، وخاصةً عندما يصبح التغيير مطلبا شعبيا وجماهيريا. فتكون مصدر قوة وطاقة تأكل الأخضر واليابس. حيث كانت هذه الطاقة كفيلة بقلب أنظمة وتغيير حكومات بسلاح غير معهود، حيث أن سلاح الفكر والسياسة لا يقلان أهمية عن أي سلاح يساعد قوى التغيير.
باستثناء المنصات الإعلامية المستقلة ومنظمات المجتمع المدني وبعض الأحزاب المعارضة للأنظمة في دول الربيع العربي لم تظهر قوى مجتمعية حاملة للواء التغيير والتحول الديمقراطي في هذه الدول، حيث كان دورها إسعافياً مخدراً لألم الشعوب العربية الطامحة، أكثر منه استراتيجياً يسهم في تحقيق مطالبهم في الحرية والعدالة الاجتماعية.
ولكن ما بعد انتهاء الصراعات المسلحة وكتم صوت البنادق قد نشهد انفراجاً وصوتاً مؤثرا للقوى المجتمعية، لتكون اللبنة الأولى في بناء الدولة عبر مؤسسات ذي حكم رشيد ونقابات ومنظمات مجتمع مدني يرافقهم في تصحيح المسار وسائل إعلامية مستقلة تهدف لحياة كريمة مستمدة من الشرعة الدولية لحقوق الإنسان.
سيناريوهات ما بعد ثورة سوريا
مازالت احتمالات الحل السوري مفقودة في ظل تضارب الأجندات الدولية في سوريا ووجود 39 قاعدة عسكرية أجنبية على الجغرافيا السورية موزعة بين القوات الروسية والإيرانية والتركية والأمريكية، وبدرجة أقل لفرنسا وألمانيا.
والنظام يناور بين حلفائه الروس والإيرانيين بالرغم من خلافات الأخيرتين البينية ولكن سرعان ما يتجاهلون خلافاتهم عندما يكونون بمواجهة الأمريكان في تصويت على قرار أممي أو في مجلس الأمن الدولي.
وفي المقابل كان الهم الأمريكي يتمحور في سوريا عبر دحر تنظيم الدولة وتمرير صفقة القرن بعد تعزيز الصراع الطائفي الشيعي السني والذي أتاح للسنة ممثلين بدول الخليج بتقبل لقاءاتهم المتكررة في الآونة الأخيرة مع الدبلوماسيين الإسرائيليين.
سوريا الآن تخضع لمناطق نفوذ عسكرية قد يبقى الحال على ما هو عليه لحين بلورة حل وفق القرار الدولي 2254 ومخرجات جنيف1 ذات الصلة بالشأن السوري، والذي أظنه منصفا بحق السوريين بعد سنوات المخاض التي عاشتها البلد بتهجير ما يقارب الستة ملايين في دول الجوار وأوروبا ونزوح مالا يقل عن خمسة ملايين آخرين.
وما زلت أؤكد على أن إسكات صوت البنادق سيعيد لسوريا الحياة السياسية التي افتقدتها منذ تولي السلطة من قبل العسكر بلبوسهم الحزبي (بعثنة الجيش وعسكرة الحزب).
درويش خليفة

تعليقات
إرسال تعليق