تواجه
الحكومة اللبنانية وجيرانها السوريين نظام الأسد «قانون قيصر» الصادر عن الإدارة
الأمريكية بعد إقراره من قبل الكونغرس في كانون الأول/ ديسمبر 2019 والذي ينص بفرض
عقوبات على النظام السوري وداعميه وإجباره بالحضور إلى طاولة المفاوضات السياسية
تنفيذا للقرار الدولي 2254 الصادر عن مجلس الأمن في كانون الأول/ ديسمبر 2015.
وفي
هذا الصدد، حكومة حسان دياب اللبنانية أمام اختبار جديد، إذا ما فشلت فيه، لن
تستطيع النهوض من جديد والاستمرار في عملها الحكومي، وهذا ما يعيد لبنان إلى المربع
الأول، والذي تمثل أضلاعِه
القوى
المتصارعة، معمقة الخلافات الماراثونية بين الميليشيات المتحالفة مع نظام بشار
الأسد
والقوى الرافضة لوجود مقاتلي حزب الله في سوريا، لمساندة الأسد في تهجير وقتل
السوريين المناهضين لحكمه.
علما مازال الساسة اللبنانيين
بكافة
اطيافهم يرفعون شعار «النأي بالنفس» سترة واقية من رصاص محيطهم الجغرافي.
ولكن
سياسة النأي بالنفس لا تصلح واقعيا مع لبنان وهو وسط دائرة ملتهبة، زجهم فيها
«حزب
الله» الذراع التنفيذي للحرس الثوري الإيراني في المنطقة.
في
الحقيقة حكومة حسان دياب بوضع لا تحسد عليه، واقتصادهم على حفة الهاوية، فلا هم
استطاعوا انتشال الاقتصاد اللبناني من أزماته المتكررة، ولا استطاعوا إعادة لبنان
لمكانته العربية بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوبه. بسبب سياسات حزب الله-التيار
الوطني الحر والذي كان الأول من نوعه بتحالف شيعي-ماروني عام 2006.
تداعيات قانون قيصر على
لبنان
بعد
أن تبلغت الحكومة اللبنانية من السفارة الأمريكية في بيروت بتطبيق «قانون قيصر»
اعتبارا من الأول من حزيران الجاري، أصبح تحالف عون- نصر الله ملقى على سريرٍ ينتظر
لفظ أنفاسه الأخيرة.
وهنا السؤال الأهم في امتحان حسان دياب الحكومي
هل
سيبقى وحكومته رهن سياسات وثيقة العشر نقاط تحت مسمى «صوت لبنان وحمايته» والذي
عقد في كنيسة مار ميخائيل بين حسن نصر الله والجنرال ميشال عون في شباط/فبراير
2006. أم يمد يده أي دياب للإدارة الأمريكية ويتعاون معها كما فعل في قضية العميل
«عامر الفاخوري»؟ والتي حصل بموجبها على ثناء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع
حفنة مساعدات للجيش اللبناني ورفع جزئي لبعض العقوبات الاقتصادية.
وهذا
ما يشجع حسان دياب في المضي قدما بالتعاون مع الإدارة الأمريكية ولكن بحذر شديد
يجعله في دائرة الأمان من سلسلة الاغتيالات التي أودت بحياة ساسة وصحفيين كبار من
معارضي نظام الأسد
وحليفه
اللبناني «حزب الله».
وفي خطوة استغربها وزراء حكومة لبنان
قامت
وزيرة الدفاع «زينة عكر» في جلستهم الحكومية ما قبل الأخيرة بتوزيع نص «قانون
قيصر» على وزراء الحكومة مخاطبةً إياهم بابتسامة ناعمة "للاطلاع فقط"،
وهذا ما فاجئ زملائها الحاضرين بسبب خروجها عن جدول الأعمال.
وعلى
ما يبدو، الوزيرة عكر كانت تريد "جس نبض" زملائها قبل طرح القانون
الأمريكي للنقاش في جلسة لاحقة، لاسيما ولبنان يحظى بحصة كبيرة من قانون قيصر بسبب
ممارسات وسلوكيات حزب الله في سوريا وفي الداخل اللبناني.
وللحفاظ
على المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، يتوجب على الحكومة تقديم تنازلات في هذا
الملف بالذات من أجل منحة مالية عساها تنقذ قطاع الخدمات من الشلل جراء الأزمات
اللبنانية المتلاحقة، مصحوبةً بحزمة ديونً مستحقة خارجياً.
حيث
تسعى حكومة لبنان للحصول على مساعدات من صندوق النقد الدولي بقيمة عشرة مليارات
دولار تساهم في إعادة دوران الحركة السياحية للبلد، وتقديم إصلاحات اقتصادية
بمساعدة فنيين مختصين من صندوق النقد الدولي.
ولكن فرص الحصول على القرض تتعارض مع التشابك السياسي الداخلي الذي يصيب بسهامه لبنان ويحرمه فرصة النفس الأخير، غير أن جميع التحليلات تقول، الهرولة نحو صندوق النقد الدولي لا يتبعُها سوى الواقفين على حفة الهاوية.
وهنا لبنان بحكومته وأحزابه وحلفائه أمام خيارات صعبة أما المضي في المفاوضات وقبول شروط صندوق النقد أو إقرار برنامج خصخصة تكون عواقبه وخيمة بسبب ضعف إمكانات حلفاء عون-نصر الله وبالذات في قطاعات
(المياه-
الكهرباء- الاتصالات) الأكثر تدهورا والتي تمس حياة اللبنانيون اليومية.
ومما
ذكره التاريخ أن الدول التي دخل خزينتها أموال صندوق النقد الدولي لم يكن فأل خير
عليها بسبب وصايته المباشرة على القطاعات المقترض من أجل تنميتها، وهذا ما أثبتته
تجربة الأرجنتين عام 1991 وتجربة مالاوي 2002، والتي تشير إلى أن الدول المقترضة من
صندوق النقد ازدادت شعوبها فقرا.
إذ
يقول عالم الاقتصاد «ميشيل تشوسودوفسكي»” صندوق النقد الدولي قد يترك البلد أكثر
فقرا مما كان عليه مع مديونية أكبر وصفوة حاكمة أكثر ثراءً“.
حيث
يشبه اقتصاديون آخرون صندوق النقد بالتاجر الجشع، بسبب هيمنة دول كبيرة على
قراراته. خصوصًا "الولايات المتحدة الأمريكية" والتي تُقدر
نسبة تمويلها للصندوق ما يزيد على 17% من حجم خزينة الصندوق. وهي من فرضت قانون قيصر
على نظام القتل الأسدي، ليوقف قصفه على المدن والمراكز الحيوية واستهداف المدنيين
العزل والإفراج عن معتقلي الرأي وفتح سجونه أمام المنظمات الحقوقية والصحفية.
وما لا يفهمه «حلف العهد» حزب الله-حركة أمل أن الحصار الاقتصادي المفروض على لبنان هدفه سياسي لجرهم إلى تطبيق قرار مجلس الأمن 1559 القاضي بنزع سلاح جميع الميليشيات المسلحة ووضعه في جعبة الدولة.
أعتقد
قانون قيصر سيساهم في توسيع الشرخ اللبناني إذا ما التزمت حكومة حسان دياب ببنوده،
وأغلقت حدودها مع سوريا التي يحكم نظام الأسد جزأها الجنوبي مع الوسط والساحل.
كما
ستواجه اعتراض قوى 8 آذار في المجلس النيابي وتبقى البلاد في مرحلة التجاذبات
السياسية والتصريحات الانفعالية وهذا ما يفقد الشباب الطامح للتغيير صبرهم ويعيدهم
خيام الاعتصامات مجدداً.
وما أعمال الشغب الأخيرة وتكسير المحال التجارية إلا حالة من التعبير عن سخط شباب لبنان، الذين ملوا الوعود في تحسين واقعهم المعيشي بعد أن توسعت رقعة الفساد السياسي في البلاد نتيجة هيمنة فئة بقوة السلاح على حياة اللبنانيين.
درويش
خليفة

تعليقات
إرسال تعليق