![]() |
| مجتمع متعدد متماسك |
المجتمع المدني
كان لظهور منظمات المجتمع المدني في القرن الأخير، دوراً رائداً في تمثيل
مصالح الفئات المهمشة وإثارة القضايا الاجتماعية التي من شأنها الحفاظ على السلم
والأمن الدوليين.
إذ ترتبط منظمات المجتمع المدني ارتباطًا وثيقًا بالأنظمة الأكثر حداثة:
الليبرالية والرأسمالية والعلمانية، والتي تساهم في التمثيل الذاتي للشعوب. حيث
تستمد مشروعيتها من خلال عوامل التغيير التي تقوم بها لصالح فئات معينة أو حتى على
المستوى العام، من خلال تنمية المجتمع في عدة قطاعات، اقتصادية وسياسية وإدارية..
الخ.
حيث تعد التنمية أحد أهم أهداف العنصر البشري في كل عصر، فهي تعتبر تحدياً
كبيراً لمنظمات المجتمع المدني في ظل وجود صراع مع المؤسسات الرسمية الحكومية
والتي تصارع في الحفاظ على سلطتها الوظيفية، أمام تطلعات الشعوب في إثبات تفوقها بمجالات
عدة تساعدها في التطور والاستقرار. وتوجيه اهتمام المعنيين في بلورة الأمن البشري
ومرتكزاته، من خلال هيئات ومنظمات حقوق الإنسان.
وكان للصراع البرجوازي - الديني في العصور الوسطى في التسابق على السلطة،
دوراً في ظهور المجتمع المدني وخلق طبقة وسطى من شأنها أن تساهم في تمثيل مصالح
جميع الفئات المجتمعية.
كما يقول التاريخ البشري قبل قيام الدولة، كان الناس عبارة عن مؤسسة
اجتماعية تكافلية بسيطة، تتدرج من الأسرة إلى العشيرة ثم القبيلة، ومن القرية إلى
المدينة ثم الدولة.
وفي دول الشرق الأوسط وشمال افريقيا، أصبحت منظمات المجتمع المدني عاملاً
منافساً للمؤسسات الحكومية، أو لملء الفراغ الحكومي في المناطق الخارجة عن سيطرة
الأنظمة في حالات النزاعات العسكرية الداخلية.
ونتيجة لذلك، نشأت في ظروف غير طبيعية، شابها بعض الفساد والمحسوبية نتيجة
الظروف المحيطة بعملهم، من خلال تدخل قوى الأمر الواقع في عملهم وتوجيههم أحيانًا،
وبالتالي تصبح العملية عكسية.
قد يشكك بعض المتابعين في رواية تطبيق الإدارة الرشيدة في حالات النزاعات
التي تكثُر فيها نشاطات منظمات المجتمع المدني، لكن هذا لا يتعارض مع القول إن أي
نظام اجتماعي سياسي قادر على تطبيق المفاهيم الثلاثة (الشفافية والمساءلة والحكم
الرشيد)، يمكن تطبيق العدالة والتقدم اجتماعيًا واقتصاديًا وهذا لا يتعارض مع
البلدان التي يوجد فيها صراعات عسكرية مثل سوريا واليمن وليبيا، وسلطات الأمر
الواقع التي تحكمها.
وهذا
ما يجعل المفاهيم مرتبطة ببعضها البعض، فلا مساءلة بدون شفافية ولا قيمة للشفافية
إذا لم تكن هناك مساءلة، وهم الذين يقودوننا إلى مؤسسات ذات حكم رشيد.
لقد أسهمت تصورات عدة في تشكل المجتمع المدني، منها من فصلته عن الدولة
والمجتمع السياسي ومنهم من أعتبره حالة مجتمعية تخلقها الظروف، وتصور آخر يراه
وسيط بين العائلة والدولة وآخرين يصنفونه عبارة عن مجموعة أفراد مهتمين بمصالحهم
ومصالح الدوائر القريبة منهم: عائلة، حي، منطقة، مدينة، شعب.
المجتمع المدني العالمي
ومع توسع الثورة الرقمية وتجاوز الحدود عبر وسائل الإعلام والتواصل بين
المجتمعات، بدأ يأخذ شكل تدخل المجتمع المدني حيزاً لا متناهي جغرافيا، فأصبحنا نرى
مجتمعًا مدنيًا عالميًا يندد بكل انتهاك لحقوق الإنسان، كحادثة نيوزيلندا، بعد تعرض
مسجد النور ومركز لينود الإسلامي لهجوم إرهابي بمدينة كرايستشيرش النيوزيلندية.
وحادثة «جورج فلويد» في الولايات المتحدة الأمريكية وما رافقها من رفضٍ
شعبي عالمي بسبب قتل شرطي أبيض للمواطن الأمريكي الأسود جورج فلويد.
وكذلك كم التعاطف العالمي مع أهالي بيروت اللبنانية بعد تفجير مرفأها في الرابع
من الشهر الجاري.
في الختام
أود أن أشير إلى أن التشويه الذي طال المجتمع المدني في دول الربيع العربي لا
ينبغي أن ينعكس على الفكرة من وجوده وعلى دوره كوسيط فعال في تحقيق الاستقرار في عدة
مجالات، كنت قد تطرقت لبعضًا منها في هذه التدوينة التي لا تتجاوز الصفحتين، مع
العلم الغوص في نشأة المجتمع المدني ودوره ووظيفته وأهميته يحتاج إلى بحثٍ متقدم،
حيث أن لكل دولة أو مكون مجتمعي دور ومهام لمنظمات المجتمع المدني منوط بها وبمنتدياتها
ونقابتها وأحزابها السياسية وروابطها الأسرية والمجتمعية.
درويش خليفة

تعليقات
إرسال تعليق